شنّت إسرائيل غارات جديدة على سوريا ليل الخميس، بعد ساعات قليلة من تنفيذها، في جارتها الشمالية، سلسلة ضربات وعمليات توغل دامية ندّدت بها الأمم المتّحدة بينما اعتبرتها دمشق محاولة متعمدة لزعزعة استقرارها.
وقال المرصد السوري لحقوق الإنسان ليل الخميس، إنّ "طائرات حربية إسرائيلية شنّت غارات جوية على مواقع ونقاط عسكرية في الفرقة الأولى محيط مدينة الكسوة ، واللواء 75 في بلدة المقيليبة بريف دمشق، دون ورود معلومات عن حجم الخسائر".
وأتت هذه الغارات الجديدة بعد تنديد الأمم المتحدة بـ"التصعيد العسكري الإسرائيلي المتكرر والمتزايد" في سوريا، محذّرة من أن هذه الأفعال "تتسبب في زعزعة استقرار" هذا البلد "في توقيت حساس".
من جهتها، اتّهمت سوريا إسرائيل بـ"تعمّد زعزعة" استقرارها، بعد سلسلة غارات طالت ليل الأربعاء الخميس، مواقع عسكرية بينها مطار حماة العسكري، وتوغّل قواتها جنوبا، ما أسفر عن مقتل 13 سوريا على الأقلّ، وفق المرصد.
من ناحيتها، أقرّت إسرائيل بشنّ غارات استهدفت "قدرات وبنى تحتية عسكرية" في دمشق ووسط سوريا، وتنفيذ عملية برية في محافظة درعا (جنوب)، محذرة الرئيس أحمد الشرع من دفع "ثمن باهظ" في حال تعرضت مصالحها الأمنية في سوريا لأي تهديد.
ومنذ إطاحة تحالف فصائل معارضة بالرئيس بشار الأسد أواخر عام 2024، شنّ الجيش الإسرائيلي مئات الضربات في سوريا، معلنا استهداف منشآت عسكرية وقواعد بحرية وجوية بهدف منع استحواذ الإدارة الجديدة على ترسانة الجيش السابق. كما توغلت القوات الإسرائيلية في المنطقة العازلة في هضبة الجولان.
وأفاد الأعلام الرسمي السوري ليل الأربعاء، عن غارات إسرائيلية استهدفت مطاري حماة العسكري ومحيط مطار تي-فور (T4) في محافظة حمص (وسط)، إضافة إلى مركز البحوث العلمية في منطقة برزة في دمشق.
وبحسب المرصد، شنّت طائرات إسرائيلية نحو 18 غارة على مطار حماة العسكري طالت مدرجاته وطائراته وأبراجه، ما أدى الى خروجه من الخدمة ومقتل أربعة عناصر تابعين لوزارة الدفاع السورية.
وفي مطار حماة الواقع على الأطراف الغربية للمدينة، شاهد مصور لوكالة فرانس برس طائرة حربية على الأقل محترقة داخل حظيرة وآليات عسكرية بينها عربة تحمل منظومة دفاع جوي. كما أدت الغارات الى دمار منظومة رادار عسكري.
وفي مركز البحوث العلمية في برزة، شاهد مصور لفرانس برس مبنى ونقطة عسكرية طالهما القصف مدمرين بالكامل، بينما نشرت قوات الأمن تعزيزات في المنطقة ومنعت الاقتراب منها.
وندّد المبعوث الخاص للأمم المتحدة لسوريا غير بيدرسون في بيان بالضربات الجوية، مؤكدا أنّ "هذه الأعمال تقوّض الجهود المبذولة لبناء سوريا جديدة تنعم بالسلام، في الداخل ومع محيطها في المنطقة، كما تتسبب في زعزعة استقرار سوريا في توقيت حساس".
ونددت وزارة الخارجية السورية في بيان بشن إسرائيل غارات "على خمس مناطق مختلفة في انحاء البلاد خلال ثلاثين دقيقة، مما أسفر عن تدمير شبه كامل لمطار حماة العسكري وإصابة عشرات المدنيين والعسكريين".
وقالت "يشكل هذا التصعيد غير المبرر محاولة متعمدة لزعزعة استقرار سوريا وإطالة معاناة شعبها".
ونددت كل من القاهرة والرياض والدوحة وعمان بالضربات الإسرائيلية.
وقال حزب الله اللبناني، أحد ابرز حلفاء الحكم السابق، في بيان إن الاستهداف الإسرائيلي لسوريا "يندرج في إطار إضعاف الدولة السورية ومنعها من استعادة عافيتها".
"مصالح الأمن الإسرائيلي"
وأكد الجيش الإسرائيلي ليل الأربعاء، أنه شنّ ضربات في دمشق وحماة وحمص.
وأورد في بيان إنه "أغار... في الساعات الأخيرة على قدرات عسكرية بقيت في منطقة قاعدتي حماة وT4 (في ريف حمص) السوريتين، إلى جانب عدة بنى تحتية عسكرية بقيت في منطقة دمشق"، مؤكدا أنه سيعمل "لإزالة أي تهديد على مواطني إسرائيل".
وبعد الغارات الجوية، قُتِل تسعة سوريين من سكان درعا فجرا بنيران اسرائيلية في حرج سد الجبيلية الواقع بين مدينة نوى وبلدة تسيل، في الريف الغربي للمحافظة، تم تشييعهم لاحقا في نوى، بحسب مصور لفرانس برس.
وبحسب المرصد، قضى التسعة وهم من أبناء المنطقة المسلحين "خلال محاولتهم التصدي للقوات الاسرائيلية"، وذلك "بعد نداءات وجهتها مساجد المنطقة لحثّ السكان على الجهاد ضد التوغل الاسرائيلي".
وكانت قوة اسرائيلية مدعومة بعشرات العربات تقدمت في المنطقة قبل القصف.
وقال خالد العودات (48 عاما)، وهو أحد سكان المنطقة لفرانس برس، "هذه منطقة زراعية ولا مبرر لدخول القوات الاسرائيلية اليها بذريعة أنهم يريدون حماية حدودهم.. فلا أحد يهددهم ولا سلاح ثقيل هنا تابع للدولة الجديدة".
وأضاف "نريد أن نعيش بسلام، ولا نريد في الوقت ذاته أن يُعتدى علينا".
وقال الجيش الإسرائيلي في بيان الخميس، إن قوات تابعة له نفّذت ليلا "عملية" في المنطقة، أطلق خلالها "عدد من المسلحين النار على قواتنا في المنطقة، فردّت القوات بإطلاق النار عليهم".
وأوضح ناطق باسم الجيش الإٍسرائيلي، أن "وجود أسلحة في جنوب سوريا يشكل تهديدا لدولة إسرائيل"، مضيفا أن الجيش "لن يسمح بوجود تهديد عسكري في سوريا وسيتحرك لمواجهته".
وحذّر وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس الشرع بالقول "إذا سمحت للقوات المعادية بدخول سوريا وتهديد مصالح الأمن الإسرائيلي، ستدفع ثمنا باهظا"، من دون أن يحدد هوية تلك الجهات.
"محمية تركية"
وفي باريس، أعرب وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر عن "قلق" بلاده من الدور التركي في سوريا والمنطقة. وقال ردا على سؤال "لا نعتقد أن سوريا يجب أن تكون محمية تركية".
وتعمل تركيا، وفق ما قال مصدر سوري لفرانس برس من دون الكشف عن هويته، "على إنشاء نقاط عسكرية في مواقع عدة في سوريا منذ إطاحة الأسد، إحداها في مطار تي فور" الذي طالته الغارات الإسرائيلية.
إضافة الى الغارات التي شنّها في مختلف أنحاء سوريا عقب إطاحة الأسد، توغل الجيش الإسرائيلي داخل المنطقة العازلة المنزوعة السلاح في الجولان، والواقعة على أطراف الجزء الذي تحتله من الهضبة السورية.
وتُسجّل، وفق المرصد، عمليات توغل وانسحاب بشكل شبه يومي منذ إطاحة الاسد في الثامن من كانون الأول الماضي.
وطالب رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو في شباط، بجعل جنوب سوريا منزوع السلاح بشكل كامل، محذّرا من أن حكومته لن تقبل بوجود القوات الأمنية التابعة للسلطات السورية الجديدة قرب حدود إسرائيل.
أ ف ب