صحراء وادي رم تسحر الزائرين بجمالها، وتعتبر واحدة من أكثر الصحارى جمالا وإدهاشا في العالم، وتتميز جبالها الصخرية بألوانها البيضاء والصفراء والحمراء والبنية، وبتشكيلاتها الجغرافية المميزة.

"لقد زرت وادي رم أكثر من مرة .. وفي كل مرة كنت ألاحظ التطور الذي طرأ على المنطقة، وأشعر بالدهشة من جمال المكان، كل وقت في وادي رم له سحره الخاص، ففي النهار ألوان الرمال والصخور وروعة الجبال، وفي الليل هدوء الكون والنجوم المتلألئة في السماء"، هكذا تصف الكاتبة إيمان مرزوق، زيارتها للوادي.

وتضيف "رحلتي الأخيرة إلى وادي رم كانت مع أحد نوادي الرصد الفلكي، وصلنا إلى مركز الزوار ثم انطلقنا بسيارة دفع رباعي إلى المخيم الذي سنقيم فيه، وفي المساء قمنا برصد النجوم واستمتعنا بمشاهدة فيلم عن الفضاء تحت السماء".

"كان هناك محاضرة وحوار عن الفلك، ثم أمضيت الليل أنا وصديقتي نراقب السماء والشهب .. تأملنا الكون والكواكب والنجوم، وعندما اقترب موعد شروق الشمس قمنا بجولة مشيا على الأقدام، ورأينا آثار أقدام الحيوانات المختلفة، كانت تجربة لا مثيل لها"، بحسب مرزوق.

الكاتبة زارت العديد من المدن والأماكن، ولكن وادي رم حسب رأيها مكان "له سحر ورونق خاص، مكان فريد على مستوى العالم، لا يشبهه أي مكان آخر، إنه مكان مناسب للذين يبحثون عن الهدوء والتأمل وصفاء الذهن".

ولا يسمح ببناء الفنادق في وادي رم كونها محمية طبيعية، ويقيم السياح في المخيمات التي تتوزع بالمنطقة ويبلغ عددها 41 مخيما داخل المحمية و19 مخيما خارجها، وفيها جميع الخدمات التي يحتاجها السائح.

بتول أحمد، وهي من سكان مدينة العقبة، تتحدث أيضا عن رحلتها إلى وادي رم، وتقول "كل شيء كان رائعا بدءا من جمال الجبال والصخور الملونة والرمال الناعمة، ومرورا برائحة الزرب ونكهة الشاي المصنوع على الحطب، وانتهاء بالسهرة على ضوء القمر والنجوم وأنغام الموسيقى".

وتضيف "على الرغم من الأجواء الصاخبة والعدد الكبير للسياح، إلا أن ذلك لا يمنع من التأمل والاسترخاء في أجواء حالمة قلما نجدها في أماكن أخرى".

سبعون كيلومترا هي المسافة التي تفصل العقبة عن وادي رم، الذي يسمى أيضا وادي القمر، بسبب التشابه الكبير بين تضاريسه، وتضاريس سطح القمر.

سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة بذلت جهودا لتطوير منطقة وادي رم وتعزيز حضورها على الخارطة السياحية بتأهيل مواقعها ودعم المجتمعات المحلية وتوفير فرص العمل.

مدير محمية وادي رم ناصر الزوايدة يقول إن تطوير منطقة وادي رم كلف نحو 10 ملايين دينار، منها 7 ملايين دينار كقرض من البنك الدولي لتطوير البنية التحتية وإنشاء مركز الزوار.

ويضيف أن أهم المشروعات التي تم تنفيذها في منطقة وادي رم مشروع إعادة حيوان المها ومشروع إعادة الماعز الجبلي، ومشروع الشيخ زايد لإحياء الرياضات التقليدية، إضافة الى مشاريع لخدمة المجتمعات المحلية كتدريب سيدات المجتمع على التطريز والخياطة والحرف اليدوية والمنسوجات، وإقامة ملاعب لكرة القدم.

ويشير الزوايدة إلى المرصد الفلكي الذي بنته سلطة العقبة على جبل أم الدامي وهو أعلى قمة في وادي رم وفي الأردن ككل، بكلفة 170 ألف دينار وسيتم افتتاحه قريبا، حيث يحتوي على مسار للمشي مدته ساعة وربع الساعة للوصول إلى المرصد والمبيت في مخيم مزود بكل التجهيزات، ويتضمن نشاطا ليليا والعودة في اليوم التالي ونزول الجبل.

وتبلغ مساحة محمية وادي رم 720 كيلومترا تم تخصيص 200 كيلو متر منها للنشاطات المتنوعة و520 كيلومترا بقيت كما هي دون أن تعبث بها يد الإنسان.

عدد زوار وادي رم ارتفع بشكل ملحوظ خلال العامين الحالي والماضي، حيث بلغ العام الحالي وحتى نهاية أكتوبر 189 ألف سائح، وفي العام 2017 بلغ 161 ألفا، مقارنة بــنحو 81 ألف سائح في 2016.

يعود هذا الارتفاع، بحسب الزوايدة، إلى الاستقرار الأمني في المنطقة والرحلات التي تنظمها شركتا "ريان اير" و"ايزي جت" والبواخر السياحية التي تأتي إلى العقبة مباشرة، كنتيجة للجهود والمباحثات التي أجرتها سلطة العقبة.

وتتلخص أهداف المحمية، وفقا للزوايدة، في العمل على تطوير السياحة وتنظيمها، والمحافظة على المصادر البيئية الطبيعية والتاريخية وضمان السلامة العامة، وإعادة توطين الحيوانات البرية إلى جانب تنمية المجتمع المحلي في المنطقة وتقديم التوعية البيئية من أجل دعم برنامج حماية المواقع.

"المحمية تجمع تضاريس متنوعة تشمل مجموعة من الجبال والهضاب والأودية الضيقة والأقواس الطبيعية والمنحدرات الشاهقة، كما أنها تحتوي على النقوش والرسوم المتوزعة على أوديتها وصخورها"، وفقا للزوايدة.

ويتراوح ارتفاع جبال رم الشاهقة ما بين 800 - 1750 متراً فوق سطح البحر، ما يجذب آلاف الزوار سنوياً للاستمتاع برياضة التسلق.

وقد يظن الزائر للوهلة الأولى لهذه المنطقة أنها خالية من الحياة البرية، ولكن مع غياب الشمس تظهر أنواع فريدة من الحيوانات البرية، كالأرنب البري، وفأر الفربيس، إلى جانب الثعالب البرية وهررة الرمال التي تظهر أقدامها بوضوح على الرمال مع ساعات الصباح.

ويقول باحثون إن طبيعة هذا الموقع، الذي تم إدراجه ضمن قائمة التراث الطبيعي العالمي لمنظمة يونسكو عام 2011، قد تشكلت قبل نحو 30 مليون عام، حيث نشأ في ذلك الوقت شق كبير في القشرة الأرضية نتج عنه وادي رم بالإضافة إلى وادي الأردن والبحر الأحمر.

من يزور وادي رم اليوم، يلحظ الفرق الشاسع، بين المنطقة التي كانت مهملة وتعاني من العشوائية، وبين المنطقة التي أصبحت نموذجا للإدارة الناجحة القائمة على الشراكة الفاعلة مع المجتمع ومؤسسات القطاع العام والخاص، وأصبحت مقصدا للسياح بنشاطاتها ومغامراتها وندرة طبيعتها.

المملكة + بترا