عقد المنتدى الاقتصادي الأردني جلسة حوارية بعنوان "جداول المدخلات والمخرجات وأهميتها في تحليل الروابط القطاعية داخل الاقتصاد الأردني"، بحضور رئيس المنتدى مازن الحمود، وعدد من أعضاء مجلس الإدارة والهيئة العامة.

وأدار الجلسة بشير الزعبي، وشارك فيها مدير مديرية الحسابات القومية مراد بني حمد، ومساعد المدير التنفيذي لدائرة الأبحاث في البنك المركزي راجح الخضور، ورئيس قسم الحسابات القومية والأسعار في البنك المركزي زكريا الحلو.

وقال مراد بني حمد، إن جداول المدخلات والمخرجات تأتي ضمن سلسلة مترابطة تبدأ بجداول العرض والاستخدام، ثم جداول المدخلات والمخرجات، وصولا إلى مصفوفة الحسابات الاجتماعية.

وأوضح أن هذه الجداول تمثل أداة للتدقيق على مصادر البيانات وضبط التوازن بينها، حيث إن أي سلعة تُنتج محليا أو تُستورد تدخل في العرض الكلي، ليقابلها استخدام سواء كاستهلاك وسيط أو نهائي أو صادرات أو مخزون.

وأضاف أن بناء هذه الجداول يعتمد على التصنيف الصناعي الموحد ISIC وتصنيف المنتجات CPC، وتحديداً ISIC.4 وCPC2.1، حيث تشمل نحو 40 قطاعاً وأكثر من 100 منتج بين سلع وخدمات، منها الزراعة، والاستخراجية، والتحويلية، والخدمات.

وأكد أن هذه المصفوفات تمثل أداة أساسية لبناء نماذج اقتصادية قادرة على محاكاة أثر السياسات الاقتصادية.

من جانبه، قال راجح الخضور إن جداول المدخلات والمخرجات تُعد من أهم الأدوات الإحصائية لفهم هيكل الاقتصاد، كونها تكشف بصورة شاملة خصائص القطاعات الاقتصادية من حيث القيمة المضافة، والقطاعات كثيفة العمالة ورأس المال، والأكثر تصديراً، فضلاً عن دورها في تتبع الروابط الاقتصادية الأمامية والخلفية بين مختلف القطاعات الإنتاجية والخدمية، وهو ما يُمكّن من تقدير المضاعفات المباشرة وغير المباشرة وصولاً إلى تحديد القطاعات الرائدة في الاقتصاد.

وأشار الخضور إلى أن دائرة الأبحاث في البنك المركزي أصبحت تستند بشكل متزايد إلى جداول المدخلات والمخرجات، والجداول الأخرى التي توفرها دائرة الإحصاءات العامة ضمن إطار الحسابات القومية، مثل جداول العرض والاستخدام (Supply and Use Tables)، ومصفوفة الحسابات الاجتماعية (Social Accounting Matrices)، في التحليلات الاقتصادية، وهي اليوم تتوسع في تطبيقها لبناء نموذج اقتصادي قادر على محاكاة الآثار الاقتصادية والاجتماعية للقرارات الحكومية.

وأشاد بدور دائرة الإحصاءات العامة وحرصها على توفير هذه الجداول بشكل سنوي اعتباراً من عام 2018، وهو ما يمثل إضافة هامة ونوعية إلى جانب الإحصاءات الأخرى التي توفرها الدائرة. واستعرض الخضور خصائص الأنشطة الاقتصادية وفق ما تبينه أحدث جداول المدخلات والمخرجات الصادرة عن دائرة الإحصاءات العامة لعام 2022.

وأشار إلى أن قطاعات الصحة والتعليم والخدمات الحكومية تُعد من القطاعات كثيفة العمالة، إذ تتجاوز فيها نسبة الأجور إلى إجمالي القيمة المضافة لكل قطاع 95%، فيما يُعد قطاع العقارات (الذي يمثل إيجارات العقارات) من القطاعات كثيفة رأس المال، حيث تقل فيه مدفوعات الأجور عن 7% كنسبة إلى القيمة المضافة للقطاع. وعلى الرغم من ذلك، يشير تحليل جداول المدخلات والمخرجات إلى أن قطاع العقارات يُعد من القطاعات ذات القيمة المضافة العالية، إذ ترتفع فيه نسبة القيمة المضافة إلى 86.1% من إجمالي إنتاج القطاع، بسبب طبيعة هذا القطاع الذي لا يعتمد على مدخلات وسيطة كبيرة، لأن أغلب نشاطه يرتكز على مبانٍ قائمة.

كما أشار إلى أن قطاع التعدين واستغلال المحاجر جاء في مقدمة القطاعات التصديرية نسبة إلى إجمالي إنتاج القطاع، والتي تتجاوز 83%.

وبيّن الخضور أن دائرة الأبحاث قامت بإعداد دراسة بحثية حول العلاقات التشابكية بين القطاعات الاقتصادية، نُشرت ضمن المجلة البحثية للدائرة على الموقع الإلكتروني للبنك المركزي، مشيراً إلى أن هذه الدراسة استندت إلى جداول المدخلات والمخرجات لعام 2010، وأن الدائرة بصدد إصدار دراسة جديدة تستند إلى جداول عام 2022.

من جانبه، قال زكريا الحلو إن تحليل الروابط التشابكية بين القطاعات يُظهر كيف يؤثر كل دينار يُنفق في أحد القطاعات على الاقتصاد ككل، بشكل مباشر وغير مباشر، مؤكداً أن هذه الأداة تمثل "منجماً من المعلومات" لصياغة السياسات الاقتصادية.

واستعرض الحلو نتائج دراسة العلاقات التشابكية بين القطاعات الاقتصادية، حيث أشار إلى القطاعات الرائدة في الاقتصاد وفق نتائج جداول المدخلات والمخرجات لعام 2010، والتي أظهرت أن الصناعات التحويلية والغذائية والتحويلية الأخرى والكهرباء والمياه تولد مضاعفات اقتصادية تفوق دينارين لكل دينار يُنفق، ما يجعلها قطاعات قيادية في تحريك عجلة النمو.

وفي ختام الجلسة، أعرب رئيس المنتدى مازن الحمود باسم المنتدى عن إعجابه الشديد بالمداخلات والعروض التي قدمها المتحدثون الثلاثة، والتي عكست بوضوح حجم الجهد الكبير الذي تبذله كل من دائرة الإحصاءات العامة والبنك المركزي من أجل تزويد متخذي القرار في الحكومة ببيانات دقيقة وموثوقة حول القيمة المضافة للقطاعات الاقتصادية.

وأشار إلى أن هذه البيانات تسهم في تحديد القطاعات ذات القيمة المضافة العالية على الناتج المحلي الإجمالي، والقطاعات الأكثر قدرة على توليد فرص العمل، أو تلك التي تحقق الأمرين معاً، فضلاً عن إبراز الروابط التشابكية بين القطاعات المختلفة.

كما نوه إلى أن المعلومات التي طُرحت تنسجم مباشرة مع بعض التوصيات التي وردت في الأوراق البحثية الصادرة عن المنتدى، وخاصة تلك المتعلقة بعلاقة النمو الاقتصادي بالبطالة، حيث شدد المنتدى في حينه على أن معالجة معدلات البطالة المرتفعة لا يمكن أن تعتمد فقط على النمو في الناتج المحلي الإجمالي بصورة عامة، بل يجب أن تركز السياسات الحكومية على القطاعات الأكثر قدرة على خلق فرص العمل.

وتخللت الجلسة أحاديث موسعة بين الحضور، حيث تساءلوا عن مدى قدرة هذه الجداول على أن تكون أداة دائمة في التخطيط الاقتصادي، وكيف يمكن تطويرها لتشمل تفاصيل أدق عن القطاعات غير الرسمية والأنشطة الناشئة.

كما ناقشوا أهمية تكرار إصدارها بشكل سنوي لضمان تحديث البيانات ومواكبة التغيرات الاقتصادية السريعة، مؤكدين أن هذه الأدوات الإحصائية، إذا ما استُخدمت بفعالية، فإنها ستشكل مرجعاً أساسياً لصانعي القرار في رسم السياسات الاقتصادية والاجتماعية في الأردن.

المملكة